في ذكري النكبة فذكر


صفحات من “حفرة الدم “

البداية 

إن حكاية ما سُمي الربيع العربي في ليبيا لم تبدأ في 15 او 17 فبراير كما يُروّج بعضهم، لكن بدايتها كانت قبل ذلك التاريخ بمدة أطول، وسأحاول أن أسلّط بعض الضوء على أحداثها ليعرف الناس الحكاية على حقيقتها. فلقد كان هذا التاريخ معروفا سابقا إذ نشرت قبل ذلك بشهور دعوات عبر وسائل الإعلام العادية و الإلكترونية تدعو إلى القيام بعمل ضد ثورة الفاتح في ذلك التاريخ، حتى قبل أن يُحرق البوعزيزي نفسه في سيدى بوزيد التونسية.
فما هي حكاية 17 فبراير التي صارت عنوان التدخل الدولي في ليبيا؟ في 30 سبتمبر 2005 ميلادية نشر رسّام كاريكاتيري دنماركي في صحيفة ”يولاندس بوستن ” الدنماركية رسوما مشينة تتناول بالسخرية و التهكم شخصية الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم بطلب من الصحيفة التي كانت قد شنت حملة ضد الإسلام على أنه دين لا يسمح بالتحدث عن شخصية نبيه. وحظيت تلك الرسومُ بتغطية إعلامية واسعة النطاق سوّقها الإعلام الغربيّ في إطار ما يسمى حرية التعبير أي تشبثها بحرية التعبير وحقها في الإساءة إلى الدين الإسلامي تحت هذا البند، ثم أعادت نشر الرسوم المسيئة في يناير 2006 كُلّ من صحيفة ”ماجيزينيت“ النرويجية، وكذلك صحيفة “ دي فيلت“ الشعبوية الألمانية، وصحيفة “ المساء“ الفرنسية بحجة دعم الصحافة الدنماركية، وهو ما أجج المشاعر الإسلامية في كافة أرجاء العالم الإسلامي، وأشعل فتيل انطلاق موجات غضب اجتاحت الشارع العربيّ و الإسلاميّ.
كانت ليبيا بقيادة معمر القذافي، الدولة العربية والإسلامية الوحيدة التي اتخذت إجراءات عملية ضد الدنمارك احتجاجا على تلك الرسوم، بسبب عدم احترام الحكومة الدنماركية لمشاعر ومطالب ملايين المسلمين بإيقاف نشر تلك الأعمال المسيئة للأديان، ومحاسبة المسؤولين عنها والاعتذار عن تلك الأعمال اللاّأخلاقية، فقَطَعت العلاقات مع الدنمارك، وفَرَضت حظرا تجاريا على كافة المنتجات الدنماركية دون استثناء.

وأُسوة بالحراك الشعبي في البلاد الإسلامية، انتظمت بإشراف أجهزة الدولة الرسمية وتنسيق منها عدة مظاهرات شعبية عارمة في كافة المدن الليبية، ومنها طرابلس وبنغازي.

كان رئيس وزراء الدنمارك في ذلك الوقت هو “ راسمسون“ الذى أصبح بعد ذلك أمينا عاما لحلف الناتو الذى شن الحرب على ليبيا و قام باغتيال القذافي. وقد رفض مجرد الاعتذارعن تلك الرسوم واعتبرها تقع، على حد زعمه، ضمن إطار حرية التعبير التي يضمنها الدستور الدنماركي.

في أوائل فبراير 2006 قام ”روبرتو كالديرولي“ وزير الإصلاح الإيطالي من رابطة الشمال المتحالفة مع رئيس الوزراء ” بيرلسكونى“ بعمل استفزازيّ ضد المسلمين بأن ارتدى قميصا يحمل الرسوم المسيئة إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم. ومر الحدث دون أيّ رد فعل رسمي من الدول العربية و الإسلامية باستثناء ليبيا التي طلبت من الحكومة الإيطالية الاعتذار رسميا و هددت بتجميد العلاقات المتطورة معها.. و فعلا اعتذر ”بيرلسكونى“ عن تلك الحادثة علنا وأرغم ”كالديرولي“ على الاستقالة يوم 18 فبراير 2006.. وشهدت المدن الليبية مظاهرات غاضبة شاركت فيها كافة فعاليات الشعب الليبي.

انطلقت في مدينة بنغازي يوم 17 فبراير بعد صلاة العصر مسيرة سلمية نظمتها الهيئة العامة للأوقاف، واتجهت إلى القنصلية الإيطالية لتقديم مذكرة احتجاج إلى القنصل الإيطالي في بنغازي، لكنّ عناصر غير معروفة أرادت استغلال التظاهرة فتسللت اليها، و حاولت حرق القنصلية الإيطالية بمن فيها، و كان طاقم القنصلية بمن فيهم القنصل يقيم بنفس المبنى، فما كان من الحراس اللذين فوجئوا ببعض من يحاول اقتحام القنصلية بضرم النيران، إلا ّ أن قاموا بإطلاق النار لتفريق المتظاهرين. غير أن حالة الهلع التي انتابت الحرس تسببت في إطلاق نار عشوائي أدى إلى وفاة عدد من المتظاهرين.

كان ذلك الحدث فرصة ثمينة لخصوم الثورة كي يستغلوه في تنظيم حملة لزعزعة الاستقرار ونشر الفوضى، فنظّموا حملة احتجاجات عنيفة استُغل خلالها المراهقون والشباب، فقاموا بالاعتداء على المرافق العامة والأملاك الخاصة واستهدف المجرمون وذوو السوابق المحاكمَ وأقسامَ البحث الجنائيّ للتخلص من سجلاّتهم بها و إضرام الحرائق في مدينة بنغازي لمدة 3 أيام. تصرفت الدولة في مواجهة تلك الأحداث الخطيرة بحكمة، وشكّلت لجان تحقيق في أسبابها وفي التداعيات التي أعقبتها، و قرر مؤتمر الشعب العام إقالة أمين اللجنة الشعبية العامة للداخلية، و اعتقل أمين الأمن العام في بنغازي ومدير الأمن و الضبّاط المسؤولون عن الحادثة، وجرت محاكمتهم، وتم تسوية الأمر مع أُسر الشهداء والجرحى.
الغريب أن 17 فبراير هو التاريخ الذي اعتُمد لما يُسمّى بالثورة ضد النظام الثوري في ليبيا، التي لعب فيها الحلف الأطلسي بقيادة “ راسمسون ” دورا قياديا. كما كان لوزير خارجية إيطاليا ”فرانكو فراتيني“ الذى ينتمى إلى نفس الحزب الذى ينتمي إليه ” كالديرولي“ وزير الإصلاح الإيطالي الذي تبجّح وافتخر بارتداء القميص الحامل لصورة الرسوم المسيئة إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، دور مشبوه ورئيسي في أحداث تلك الثورة المزعومة، ف“فراتيني“ هو أول من أعلن أن عدد القتلى في ليبيا يوم 18 فبراير تجاوز بعد يوم واحد من بدء الأحداث عشرة آلاف، في حين أن عدد الإصابات كان في ذلك الوقت يُعد على أصابع اليد الواحدة.. وأغلبهم من رجال الامن..

د.مصطفى الزائدي
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s